مقالات في العمل الخيري والانساني

التمكين

المساعدة لا تعني الإتكالية الدائمة ،وإنما هي محطة أولى لرفع معاناة أو ضائقة مالية بسبب مرض أو مواصلة دراسة ،أو ظرف طارئ.
ولكن لا يعني ذلك أن يبقى ذلك المحتاج يبني حياته على أساس المساعدة فهي ليست راتباً دورياً يعتمد عليه في معيشته، لأن الانسان يجب أن يحرص على تدبير أمور نفسه ولا يعتمد على الآخرين ،طيلة فترات حياته.
وكذلك بالنسبة للهئيات والمؤسسات ,فإنها تتلقى المساعدات من أجل اعداد مبنى أو أي مشروع ما ،ولكن وبعد إقامة هذا المشروع لابد أن تكون قادرة على ادارته وتغطية تكاليفه دون الاعتماد على الجهات المساعدة بشكل دوري ،فمن يبني مدرسة يقبل بها عدداً من الطلاب ولكنه سرعان ما يفكر بزيادة الطوابق والتوسع ويصبح ذلك وكأنه مشروع تجاري احتكرته جهة معينة تريد أن تكبر المشروع على حساب المساعدات التي اعتبرتها حقاً سنوياً مكتسباً ولكن عمل المؤسسات الإنسانية المانحة، تقدم المساعدة في بداية المشروع وتساهم في بعض الظروف التي تعيق تنفيذه ،ولكنها بعد تسليمه تلتفت إلى مساعدة جهات ومشاريع أخرى ولن تبقى في حالة من الأحوال متحملة المسؤولية الدائمة عن المشروع من ألفه إلى يائه.
وهذا المفهوم يجب أن يراعيه أصحاب المشاريع الانسانية عموماً داخل الدولة وخارجها، عدا الجمعيات التي لديها من البرامج الدائمة المستهلكة كرعاية الأيتام ،والرعاية الصحية وغيرها.
من هذا المفهوم تحدد المؤسسة مسؤوليتها الاجتماعية ،فإنها تساعد أصحاب الحاجه للخروج من الضائقة الملحة ولاتتبنى هؤلاء طوال حياتهم ،هناك مؤسسات اجتماعية راعية ومتخصصة للتلك الظروف للمعاقين مثلاً وأصحاب الأمراض المزمنة،وغيرهما.
رحم الله الشيخ زايد عندما أوضح أن ابناء الدولة يحتاجون في البداية للمساعدة وتقديم كل مقومات الحياة لهم صحة وتعليم ومأكل ومشرب وكهرباء ،ولكن بعد ذلك تكبر الابناء وتصبح هي القادرة على الانتاج والعطاء في بناء الدولة .
وهكذا المؤسسة ترعى المشاريع ،والافراد في بداية العمل وتساهم في نشأتها و إقامتها،وتوفير المساعدة المناسبة ولكنها تترك لأصحابها بعد ذلك القيام بالمسؤولية لمواصلة الجهد والعمل والمتابعة بشيء من التواصل والتعاون المبني على استدامة للعمل بشكل إيجابي هادف

أعمال خيرية غير ربحية

تتوجه مؤسسة زايد للأعمال الخيرية والإنسانية ، إلى سائر الجهات الناشطة في العمل الخيري والإنساني لأهمية تحديد مواصفات عملها لتحقيق أهدافها المنشودة في دعم مسيرة العمل الإنساني.
ولعل من أهم تلك المعايير أنه لا يتم العمل الخيري على أساس تجاري، ولايقاس بميزان الربح والخسارة وانما يعتمد على عامل العطاء، والمساعدة، ومد يد العون للفئات المستحقة فعلاً للمساعدة، وفق نقاط مدروسة من مختلف جوانب الحالة الاجتماعية، والإقتصادية والوطنية.
والعمل الخيري يخاطب أولاً ضمير الإنسان، الذي يحي بمسؤوليته الاجتماعية نحو الأخرين، وبدوره العملي في بناء الجسم المجتمعي القائم على هدف تحقيق العدالة والسعادة والعيش الكريم.
ولقد سجل نظام الوقف في الشريعة الاسلامية، أفضل السبل في تحديد الإطار الأخلاقي والإقتصادي والعملي، لضمان استمرارية العمل الخيري، ومانراه اليوم من صروح علمية كبيرة، ومستشفيات ومراكز رعاية الايتام وغيرها من منافذ الاعمال الخيرية في العالم إلا ونلحظ وراءه كنز من الوقف الذي حبسه أهل الخير ووالعطاء على وجوه الخير. وما المؤسسة إلا وجه من هذه الأيادي البيضاء الممدودة التي بسطها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، وأحيا بها
سنة الوقف ليعود ريعه على العمل الخيري والأنساني، وتجديد هذا المفهوم.
فالجهات المعنية بهذا الشأن مدعوة اليوم إلى دراسة هذا النهج ووضع الأليات التنفيذية له، دون التطلع إلى الأساليب التجارية، فإذا سارت كل هيئة أو جمعية أو أسرة بتحديد أهدافها، وتقييم قدراتها على العطاء، وسارعت لوضع أسس نشاطها فبذلك نستطيع أن نحقق مانصبو إلي من تفاعل كريم مشرف مع جميع الفئات المحتاجة، ونصل بالمساعدة إلى مستحقيها، دون منة أو أذى، وبصورة تخفف عن صاحب الحاجة معاناة المطالبة المحرجة.
تحتاج مؤسساتنا إلى تطوير أدائها وآليات اعمالها وفق نظم عملية متطورة تقوم على الدراسة والخبرة، واستخدام التقنيات الحديثة في التواصل مع البعض.
إن مسيرة العمل الخيري هي من أهم سمات العمل الوطني الذي تميزت به دولة الإمارات العربية المتحدة مما جعلها في طليعة الدول التي سجلت أعلى مستوى للعطاء والمساعدات الأنسانية.

العطاء بكرامة

ولم يعد العمل الخيري والإنساني عملية شحاته على الأبواب وإذلال وتوسل من أجل الحصول على حفنة من المساعدة المادية أو العينية.
لم يعد مقبولاً هذا الأسلوب من الذل، والمنّ، والأذى، وقرع الأبواب، والاستكانة والمسكنة والأيْمان، وإبداء مظاهر البؤس والتشرّد، والتفنّن والإبداع من قِبَل بعض المتسولين الذين لا نعرف عنهم أي شيء، لكنهم يفاجئونا بالسيارة وأمام الأبواب يسألون الناس تارة بحجة المرض، وتارة لمشروع خيري لحفظ القرآن الكريم، ولكن دون أي مصداقية.
وعادة ما كانت تنطلي على المحسن هذه المساءلات فيحسن إلى هؤلاء من باب حسن الظن، ولكن هذه الظاهرة تفشّت وانتشرت، وأصبحت مهنة لدى البعض تنتعش في شهر رمضان موسم الخير والإحسان.
ونحن في عصر العلم والمعرفة والتكنولوجيا والتقنية الحديثة أما آن الأوان أن ننظم احساننا وعطايانا لتكون في المكان الصحيح، وإلى المستحقين لها بحق وأمانة!
وعلينا أن نسلك العطاء الكريم الذي لا ذلّ فيه ولا منّة، تطبيقاً للحديث الشريف أن تعطي بيمينك ما لاتعرفه شمالك. هذا العطاء يمكن أن يسجل عن طريق المواقع الالكترونية التي استخدثتها الهيئات الإنسانية الموثوقة والجمعيات المعتمدة في الدولة التي تعلن سنوياً عن ميزانيتها وأين صرفت ووزعت مساعداتها، كما أعدت البرامج التنموية والاجتماعية للحد من هذه الظاهرة.
فكيف نسلك طريقنا في شهر تتضاعف فيه الحسنات بأن نحافظ على كرامة الفقير، ولا نساعده على سلوك طريق التسوّل، والذلّ، والهوان، وإنما الأخذ بيده إلى الجهات المعنية بهذا الإجراء الكريم ليأخذ حقه المشروع بكرامة وإباء، ربما يصل حقه إلى باب داره دون أن يسأل الناس ذلاًّومهانة.
لقد تعددت سبل العطاء، وكثرت برامج الإحسان إلى الجهات المستهدفة من الفقراء، وإلى الأسر المتعففة من سلّة الغذاء والمير الرمضاني، وكساء العيد، وجمع زكاة الفطر.
أصبح لكل هذه المواضيع إجراءات وآليات تنفيذية، تصل إلى كل مستحق بكرامة وشرف ورفعة إباء.
إننا في عصر ثورة المعلومات يجب أن نسخر هذا التواصل في شتّى جوانب الإحسان، لنكون واثقين في إيصال المساعدات لأبوابها المذكورة في الفقه دون أن تقع في أيدي المتسولين الدجالين أو الجهات مجولة النسب والهوية.
أن من أهم قواعد المبادئ الإسلامية العامة ،تكريم الإنسان ” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ” وقد فضله الله على سائر المخلوقات بما وهبه من عقل وإرادة .
والتكريم هو لجنس الإنسان بغض النظر عن لونه وعرقه ودينه ” خير الناس أنفعهم للناس” عموماً.
وبهذه الروح انتهج الشيخ زايد رحمه الله برنامج تقديم المساعدات لسائر عموم البشر ،حيث الحاجة إلى المساعدة بشتى أشكالها الصحية ،والتعليمية،والمعيشية وغيرها.
لقد عبرت مساعداته سائر القارات معبدة السبل لتصل إلى المحتاجين لها لتخفيف المعاناة عن الشعوب المنكوبة،والضعيفة والفقيرة.
وعلى هذا الأساس واصلت المؤسسة تقديم مساعداتها إلى سائر الناس دون تميز ملبية نداء الإنسانية ومواكبة الدعوات الوطنية في تعزيز مسيرة العمل الخيري والإنساني ، في سائر الظروف من كوارث ونكبات ، وويلات حروب وقد سعت المؤسسة ،لتوفير مساعداتها الى مستحقيها إيماناً منها بأهمية تقديم واجبها الإنساني بالوصول إلى صاحب الحاجة من أفراد وهيئات وجمعيات داخل الدولة وخارجها،وقد طورت من أداء عملها عبر سبل البحث القائم على دقة المعلومات ،باستخدام ما وفرته التكنولوجيا من وسائل حديثة بالانفتاح على سائر الشعوب والبلدان ،وسرعة التواصل مع المنظمات الدولية والهيئات الإنسانية .
لم تعد المؤسسة تتعامل مع الأفراد لتوفير طلباتهم مباشرة وإنما شرعت بالعمل على تخفيف العناء عنهم بتقديم المساعدات للجمعيات المحلية والأهلية في سائر المناطق لتقوم بدورها بالتواصل مع الشرائح الضعيفة والمحتاجة ، وذلك حرصاً على كرامة الإنسان ، بالوصول إلى أصحاب الحاجة الملحة خاصة من الأسر المتعففة .
كما انتهت المؤسسة بتشجيع بعض الأسر المحتاجة إلى القيام بمشاريع صغيرة ، والأخذ بيدها وعطائها آخذة من المثل الياباني ، لا تعطيني سمكة لآكلها ولكن علمني الصيد لأعتمد على نفسي في طول معيشتي.
هذا النهج الاخلاقي الذي توليه المؤسسة كل اهتمامها من أجل نشر الوعي بالمسؤولية الاجتماعية على سائر الأفراد والمؤسسات لزرع مفهوم العطاء بكرامة ،وتحقيق الكرامة الانسانية ،تمشياً مع القيم الاسلامية ،والعادات والتقاليد الحميدة للشعوب العربية وخاصة في دولة الامارات العربية المتحدة .